فخر الدين الرازي
571
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الصحابة ، وصالح هاهنا ينوب عن الجمع ، ويجوز أن يراد به الواحد والجمع ، وقوله تعالى : وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ أي بعد حضرة اللّه وجبريل وصالح المؤمنين ظَهِيرٌ أي فوج مظاهر للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأعوان له وظهير في معنى الظهراء ، كقوله : وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً [ النساء : 69 ] قال الفراء : والملائكة بعد نصرة هؤلاء ظهير ، قال أبو علي : / وقد جاء فعيل مفردا يراد به الكثرة كقوله تعالى : وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً * يُبَصَّرُونَهُمْ [ المعارج : 10 ، 11 ] ثم خوف نساءه بقوله تعالى : عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ قال المفسرون : عسى من اللّه واجب ، وقرأ أهل الكوفة أَنْ يُبْدِلَهُ بالتخفيف ، ثم إنه تعالى كان عالما أنه لا يطلقهن لكن أخبر عن قدرته أنه إن طلقهن أبدله خيرا منهم تخويفا لهن ، والأكثر في قوله : طَلَّقَكُنَّ الإظهار ، وعن أبي عمرو إدغام القاف في الكاف ، لأنهما من حروف الفم ، ثم وصف الأزواج اللاتي كان يبدله فقال : مُسْلِماتٍ أي خاضعات للّه بالطاعة مُؤْمِناتٍ مصدقات بتوحيد اللّه تعالى مخلصات قانِتاتٍ طائعات ، وقيل : قائمات بالليل للصلاة ، وهذا أشبه لأنه ذكر السائحات بعد هذا والسائحات الصائمات ، فلزم أن يكون قيام الليل مع صيام النهار ، وقرئ ( سيحات ) ، وهي أبلغ وقيل للصائم : سائح لأن السائح لا زاد معه ، فلا يزال ممسكا إلى أن يجد من يطعمه فشبه بالصائم الذي يمسك إلى أن يجيء وقت إفطاره ، وقيل : سائحات مهاجرات ، ثم قال تعالى : ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً لأن أزواج النبي صلى اللّه عليه وسلم في الدنيا والآخرة بعضها من الثيب وبعضها من الأبكار ، فالذكر على حسب ما وقع ، وفيه إشارة إلى أن تزوج النبي صلى اللّه عليه وسلم ليس على حسب الشهوة والرغبة ، بل على حسب ابتغاء مرضات اللّه تعالى وفي الآية مباحث : البحث الأول : قوله بَعْدَ ذلِكَ تعظيم للملائكة ومظاهرتهم ، وقرئ تظاهرا وتتظاهرا وتظهرا . البحث الثاني : كيف يكون المبدلات خيرا منهن ، ولم يكن على وجه الأرض نساء خير من أمهات المؤمنين ؟ نقول : إذا طلقهن الرسول لعصيانهن له ، وإيذائهن إياه لم يبقين على تلك الصفة ، وكان غيرهن « 1 » من الموصوفات بهذه الأوصاف مع الطاعة لرسول اللّه خيرا منهن . البحث الثالث : قوله : مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ يوهم التكرار ، والمسلمات والمؤمنات على السواء ؟ نقول : الإسلام هو التصديق باللسان والإيمان هو التصديق بالقلب ، وقد لا يتوافقان فقوله : مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ تحقيق للتصديق بالقلب واللسان . البحث الرابع : قال تعالى : ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً بواو العطف ، ولم يقل : فيما عداهما بواو العطف ، نقول : قال في « الكشاف » : إنها صفتان متنافيتان ، لا يجتمعن فيهما اجتماعهن في سائر الصفات . ( فلم يكن بد من الواو ) « 2 » . البحث الخامس : ذكر الثيبات في مقام المدح وهي من جملة ما يقلل « 3 » رغبة الرجال إليهن . نقول : يمكن أن يكون البعض من الثيب خيرا بالنسبة إلى البعض من الأبكار عند الرسول لاختصاصهن بالمال والجمال ، أو
--> ( 1 ) في الأصل ( غيرهم ) ولما كان ضميرا لجمع النسوة فقد صححناه إلى ما ترى . ( 2 ) ما بين الهلالين زيادة من الكشاف ( 4 / 128 ط . دار الفكر ) . ( 3 ) في الأصل ( ما يقل ) وهو يحتاج إلى تقدير ( معه ) مما يدل على أن اللام ساقطة وقد أثبتناها .